حقيقة الديمقراطية
في هذا المقال سأتكلم عن اكبر خدعة انطلت على الناس في القرنين العشرين و الواحد والعشرين ألا وهي الديمقراطية.
فقد تم التسويق للديمقراطية على أنها النظام المثالي الذي يحقق رغبات الشعوب في الازدهار والتطور والحياة الكريمة وغيرها من الأماني، ولكن الحقيقة هي أن الديمقراطية هي سبب رئيسي من أسباب التأخر التقني والمعرفي في كل الدول دون استثناء.
قد تستغرب من هذا الكلام وترد بأن الدول الغربية تطورت بشكل كبير في القرن العشرين بدءا من الثورة الصناعية اواخر القرن التاسع عشر الى الثورة التقنية التي دخلنا بها القرن الحادي والعشرين، وكلامك سليم بأن التطور تم في اخر ثلاثة قرون، ولكن السؤال هو هل كان التطور المذكور بسبب الديمقراطية؟ أم أنه حصل بالرغم من الديمقراطية؟
بمعنى هل كانت الديمقراطية سببا في هذا التطور ام كانت عائقا تغلبت عليه البشرية؟
سأحاول الإجابة على هذا السؤال دون التطرق إلى كل من الدين أو التاريخ الحديث حيث أن خبرتي في هذين الموضوعين لا تؤهلني لذلك.
ما هي الديمقراطية؟
الديمقراطية كلمه لاتينية تنقسم لشقين
ديموس ومعناها الشعب، و كراتوس ومعناها الحكم ، وباختصار هي نظام يعطي الشعب القوة الكاملة عن طريق التصويت على القرارات المهمة تصويتا يتساوى فيه افراد الشعب بالكامل ويكون التصويت عاما للشعب حتى تكون القوة للشعب.
وتطبيق الديمقراطية الكاملة ليس منتشرا كما يعتقد البعض، ولكن الدول تطبق بعض مبادئها وليس الكل، فمثلا في بريطانيا هناك مجلس منتخب من الشعب ومجلس آخر يتم تعيينه من الملكة، و الولايات المتحدة ليست ديمقراطية بالمعنى المذكور اعلاه بل هي جمهورية فيدرالية يتم انتخاب ممثلي الشعب بشكل ديمقراطي ولكن هؤلاء الممثلين للشعب هم من يضعون القوانين وليس الشعب عن طريق استفتاء مثلا، أي أن الأشخاص الذين يختارهم الشعب غير ملزمين ابدا يتوفير رغبات الشعب وكل ما يملك الشعب هو عدم التصويت لهم في الانتخابات المقبلة فقط لاغير.
هل هناك نجاح دون ديمقراطية؟
لو رجعنا للتاريخ فسنجد أن أغلب إن لم يكن كل الحضارات العملاقة على مر التاريخ لم تكن أبدا ديمقراطية، بل كانت تحتكم إلى سلطة مركزية عادة ما تكون تنتقل بالتوارث.
فكل من الحضارة الفراعنة إلى بابل إلى المايا وغيرهم الكثير الذين تسطر التاريخ بتطورهم وانتصاراتهم لم يكونوا أبدا ديمقراطيين بأي شكل من الاشكال، بل ولم يكن لعموم الشعب أي رأي في ادارة الدولة أو اختيار المسؤولين وغيرهم.
بل إن مفهوم الديمقراطية بشكله الحالي لم يظهر إلا مؤخرا مع الثورة الفرنسية أواخر القرن الثامن عشر كردة فعل على الظلم الواقع من الطبقة الحاكمة في ذلك الوقت.
سنبدأ بتحليل أسباب عدم صلاحية النظام الديمقراطي للحكم نقطة بنقطة وكيف أن الطريقة الوحيدة لإنجاح الديمقراطية هي تحويلها إلى دكتاتورية.
أولا
المساواة المطلقة هي ظلم مطلق
الديمقراطية تقوم أصلا على المساواة المطلقة بين أفراد الشعب حيث يمثل كل فرد من الشعب صوتا واحدا بغض النظر عن مؤهلات هذا الفرد وشخصيته و خبراته واختصاصاته.
فمحاولة اعتبار افراد الشعب متساوين في الاختيارات الهامة التي تحدد مسارات الدولة هي ظلم كبير ﻷصحاب الاختصاص فكيف يكون الفرد البسيط مساويا للمختص السياسي المحنك ويكون كل منهما مجرد رقم وقت التصويت؟
السياسة هي علم كحال باقي العلوم، و كحال باقي العلوم يجب ألا يفتي فيها الا المختص وهذا ما تقف ضده الديمقراطية.
فكيف نساوي مثلا بين الطبيب والمهندس في اختيار العلاج للمريض؟ وكيف نساوي بينهم في اختيار مواد البناء؟ بل إن المساواة بين شخصين ناجحين كالطبيب والمهندس في هذه الأمور ظلم فما بالك بالمساواة بين العالم والجاهل في مصير دولة كاملة؟
أما الرد بأن الشعب يجب أن يكون مثقفا سياسيا حتى تنجح الديمقراطية فهو رد يعتمد على الخيال، فكونك تطلب أن يكون الشعب كله أو أغلبه مختصا في أمور السياسة هذا أمر غير منطقي أبدا، فالسياسة كالطب والهندسة هي علم من العلوم واشتراطك ان يكون أغلب الشعب مختصا في علم معين حتى تنجح الديمقراطية شرط يستحيل تحقيقه وهو ما يعني أن الديمقراطية الحقيقية تطبيقها مستحيل، وهو ما يجعلها أمرا من وحي الخيال.
ثانيا
نتيجة الديمقراطية
بما أن الديمقراطية تعتمد المساواة المطلقة بين افراد الشعب فهذا أمر يجعل المرشح مجبرا على استمالة أغلب الشعب حتى وإن كان الهدف يضر البلد.
طبعا ستقول كيف يقوم الشعب باختيار هدف يضر البلد؟ والجواب هو أن أغلب الشعب كما ذكرنا سابقا غير مختص في السياسة وإدارة البلد مما يجعله غير مؤهل لاتخاذ القرارات حتى وإن كانت مصلحته هي مصلحة البلد، فعلى سبيل المثال في المستشفى كل الموظفين من مصلحتهم نجاح المستشفى ولكن هذا لايعني أن موظف الاستقبال أو المحاسبة مؤهل كي يتخذ القرارات الخاصة بالمرضى بالرغم أن شفاء المريض ينفع المستشفى ككل.
وعلاوة على ذلك فالديمقراطية هي لعبة إعلام، من يستطيع إقناع الشعب أنه المنقذ للبلد سيفوز حتى وإن كان غير مؤهل، فهنا الهدف هو الحصول على اكبر كمية من الاصوات وليس الحصول على اصوات المختصين من الشعب، فخمسة افراد من الشعب صوتهم أعلى من ثلاثة مستشارين مخضرمين.
وبما أن النتيجة تعتمد على الاعلام فنجد في اغلب ان لم يكن كل الديمقراطيات حول العالم نجد المرشح يعطيك الشمس بيمينك والقمر بشمالك وبمجرد فوزه تتبخر وعوده ﻷنه أصبح غير ملزم بها بعد أن حصل على ما يريد.
ثالثا
اتخاذ القرارات
بعد نجاح المرشح سواء في مجلس نيابي أو حتى في رئاسة البلد سيكون من الصعب جدا عليه اتخاذ أي قرار الا عندما يكون القرار متوافقا عاطفيا مع الشعب، أما القرارات التي تنفع البلد فسيكون اتخاذها اشبه بانتحار سياسي، فالمرشح الذي يريد الاستمرار سيكون عليه استنزاف البلد لصالح الشعب سواء عن طريق دعوم غير مستحقة أو رفع غير مدروس للرواتب أو حتى الاستهلاك الغير مبرر لاحتياطيات الدولة وتوزيعها على الشعب وسيكون بهذا محبوبا بالرغم من تدميره للبلاد.
أما إن أراد مرشح التنمية للبلد وتنويع مصادر الدخل وتنمية البلد فستجد الشعب ضده ﻷن الشعوب أغلبها كما قلنا غير متخصصة ولا تستطيع اتخاذ قرارات حاسمة.
يشبه الفيلسوف سقراط الديمقراطية باختيار الشعب بين شخصين أحدهما طبيب والآخر بائع حلوى، بائع الحلوى يقول للناس أن الطبيب يعطيكم ادوية ذات طعم سيء و يقوم بإيذائكم بالعمليات المؤلمة بينما أنا أعطيكم ما لذ وطاب من الحلوى، فإن قام الطبيب بالدفاع عن نفسه أنه يقوم بذلك لمصلحة الشعب ثار عليه الشعب واختار بائع الحلوى مع أن الطبيب هو من ينفعهم.
رابعا
الخطط بعيدة المدى
أغلب الدول الديمقراطية ترفع شعار تداول السلطة، أو أن الحاكم فيها لا يستمر لفترة طويلة بحكم القانون، ولكن هذا ليس أمرا جيدا أبدا.
عندما تحصل انتخابات وتغيير للحاكم كل عدة سنوات فسيستحيل مع هذا التغيير المتكرر وضع خطط طويلة المدى للدولة، فكيف تطلب من شخص أيا كان أن يقوم بخطط تحتاج عشرين سنة في اربع أو ثمان سنوات؟
بل ما يزيد الطين بلة أن الحاكم الجديد سيعتمد في حملته الانتخابية في اغلب الأحيان على الانتقاص من خطط سلفه وسيعمل على هدمها ليبني هو خططه حتى ينسب الفضل له وليس لسلفه، وهذا الهدم والبناء المتكرر سيجعل الدولة متأخرة جدا في سعيها للتطور حيث أنها ترجع للمربع الأول بعد كل انتخابات، ولاتستطيع لوم الحاكم الجديد إن أراد هدم ما بنى سلفه ﻷنه يريد أن ينسب الفضل له وليس لسلفه، وإكمال ما بنى الحاكم السابق يجعل كل عمل الحاكم الجديد في مهب الريح.
ففي الديمقراطيات تداول السلطة يكون بين خصوم ليس من مصلحتهم التعاون على عكس الدول التي تحكم بحكم الفرد أو الملكيات حيث يكون الحاكم الجديد مكملا لسلفه وليس خصما له.
خامسا
الديمقراطية بيئة خصبة للفساد
مما ذكرناه سابقا فالمرشح من مصلحته الحصول على اكثر الأصوات بغض النظر عن اصحابها، وكون استمالة البسطاء أسهل بكثير من استمالة المثقفين فنجد المرشح يركز عليهم بشكل أكبر بل ويصل به الأمر إلى شراء الأصوات مباشرة من بسطاء الناس الذين يجهلون الدهاليز السياسية.
وليس بالضرورة أن يكون هذا الشراء بالمال، بل يستطيع شراءهم بالخدمات وخصوصا تلك الخدمات المشبوهة والتي يصل بعضها إلى الفساد العلني.
فالمرشح عندما يفوز ويكون مخططا للاستمرار لن يقاوم استخدام سلطاته في الفساد لصالح الأفراد الذين أوصلوه للكرسي سواء من بسطاء أو داعمين له في حملاته، فسيقوم بالضغط على الحكومة كشكل من أشكال المحاسبة ولكنه فعليا ضغط لتمرير ما يريد من أمور الفساد على تنوعها، وأيضا ليس كل اللوم على المرشح أو المواطن أو حتى الداعمين، بل إن النظام الديمقراطي يحتم عليك فعل كل ما يلزم لاستمالة الناس حتى يستمرون بالتصويت لك ولو كان هذا بطريق الفساد وإلا لن تستمر في كرسيك.
أما في الدول الغير ديمقراطية فمن مصلحة الحاكم الشخصية محاربة الفساد لأن الحاكم يرى الدولة كملك له ويريد تنميتها ولن تكون هناك مصلحة له في إفساد ما يملك أو استهلاك موارد الدولة بطرق الفساد.
سادسا
الديمقراطية بوابة لاختراق الدول
في الديمقراطية يدفع المرشحون أموالا طائلة للحملات الدعائية و المقرات الانتخابية وغيرها، مما يعني أن أي مرشح يجب عليه أن يكون ذو مال حتى يستطيع إيصال صوته، ولكن ذلك يعني أنه من السهل على أي جهة خارجية كانت أو داخلية أن تدعم مرشحا بعينه بالمال و الإعلام لإيصال صوته لأكبر عدد من الناخبين، ولكن هذا الدعم لم ولن يكون بالمجان، فبمجرد نجاح هذا الشخص يجب عليه أن يكون مؤتمرا بأوامر هذه الجهة شاء أم أبى وذلك يعني أنه ليس إلا عبد مملوك سياسيا.
وفتح هذا الباب يجعل الدولة عرضة للاختراق من جهات خارجية تدعم مرشحين بعينهم للوصول إلى المناطق الحساسة في البلد واستغلال حصانتهم لتسريب بعض المعلومات للجهات الخارجية بل وقد يصل الأمر بهم إلى التأثير على قرار الدولة لصالح جهة، وهذا الأمر قد يزيد حتى تكون الدولة بأسرها مختطفة للجهات الخارجية إن استمرت فيها الديمقراطية الحقيقية.
وعلى عكس ذلك في الدول اللاديمقراطية، فالمراكز المهمة في الدولة لا تخضع لا للإعلام ولا للضغوط الخارجية بل يكون اختيار من فيها حكرا على الحاكم، والحاكم من مصلحته أن يعين من يثق به من ناحية الكفاءة والأمانة دون الالتفات للضغوط الشعبية أو الإعلامية أو غيرها.
سابعا
الديمقراطية تهدم نفسها
عندما يفوز شخص او حزب بحكم البلاد وتكون له السلطة فسيحاول قدر ما يستطيع أن يحدث تغييرات حتى ترجح كفته في الانتخابات المقبلة، وقد يقوم بتغييرات أكبر تضمن له الاستمرار في الحكم إلى أجل غير مسمى، وكل هذه التغييرات هي قانونية بحكم فوزه بالأغلبية وبصوت الشعب، وهذا ما يحصل فعلا حيث تتحول أغلب الديمقراطيات إلى دول تحكمها أحزاب بعينها او فئات لا تتغير على مر الأوقات.
وإن اعترض أحدهم أن ما يحصل من اغيير للقوانين ليس من الديمقراطية فهنا نسأل:
إن اتفق أغلب الشعب تحت تصويت نزيه مئة بالمئة على إلغاء الديمقراطية، فهل هذا من الديمقراطية أم لا؟
وهذا مصداق للفطرة البشرية التي تقوم على أساس أن الحاكم يظل حاكما والمحكوم يظل محكوما، فمن يصل للكرسي بطريق الديمقراطية مستعد أن يضحي بالديمقراطية للبقاء في الكرسي.
ثامنا
الديمقراطية تساهم في تخلف الشعوب
المساواة المطلقة التي رأيناها في النقطة الأولى تجعل على الشعب مسؤولية أن يكون ملما بالأمور السياسية، و هذا الإلمام قد يحل محل أمور أخرى تساهم بشكل أكبر في تطور البلد، فعندما ينشغل المهندس أو العالم أو المختص في أمور السياسة سيتعطل عن البحث العلمي و عن المساهمة في نهضة البلد ﻷنه سيكون منشقا بين نشاطه وبين السياسة، وهذا الأمر سيجعله أقل من غيره الذي ركز بالكامل على مجال خبرته دون الخوض في الأمور السياسية.
أما في الدول الغير ديمقراطية فنجد الشعوب غير مهتمة بما ليس من اختصاصها، فالسياسي من الشعب يهتم بالسياسة أما غير السياسي فلا تشغله الصراعات السياسية أو البحث في المرشحين لاختيار الأصلح عن فنه الذي يتقنه مما يؤدي لزيادة مهارته في فنه دون غيره.
تاسعا
الديمقراطية سبب في تفرقة الشعوب
في الأنظمة الديمقراطية نجد الشعوب مقسمين حسب معايير سواء دينية أو مذهبية أو عرقية أو حتى حزبية، بل أن الديمقراطية التي يتشدق بها أصحابها لن تكون كاملة إلا بتعددية الأحزاب والفئات المجتمعية، فنجد كل فئة أخرجت لها مرشحا يمثلها ولا يمثل غيرها بالرغم من كون أصحاب الديمقراطية يدّعون أن المرشحين يمثلون الشعب كله.
فالواقع والمفترض أيضا من الديمقراطية هي التعددية بين فئات الشعب بل إن المرشح بنفسه لن ينجح أبدا إلا بدعم فئة معينة من الشعب دون غيرها، فذلك مدعوم من حزب دون غيره وذلك مدعوم من طائفة دون غيرها وذلك مدعوم من عرقية دون غيرها مما يسبب صراعات بين هذه الفئات المختلفة على أكبر عدد من الكراسي.
ولا نرى هذا التقسيم أبدا في الدول التي لا تحكم بالديمقراطية حيث يعامل الشعب ككتلة واحدة، فهناك الحاكم يليه اصحاب الحل والعقد ومن ثمة الشعب ككل دون تفرقة بين طوائفهم وعرقياتهم.
ونرى في كثير من الدول الديمقراطية صراعات هدامة تقوم بين هذه الفئات مما يؤخر هذه الدول بس ويجعل بعضها يتراجع وقد تزيد هذه الصراعات لتصبح مسلحة بين أفراد الشعب الواحد.
هذا ما وصلت إليه حتى الآن في إثبات فشل مبدأ الديمقراطية كنظام للحكم، وقد تعمدت الابتعاد عن ضرب أي مثال لهذا الفشل في العالم المعاصر أو في التاريخ وذلك لجعل الصورة منطقية بالكامل، ولكن قد يستشف القارئ بعض الجمل تنطبق على دول بعينها دون أخرى وذلك يرجع لنظرة القارئ وليس لي.
Comments
Post a Comment